كيف تصير الذاكرة قيدًا بين شوقٍ لا ينتهي ونسيانٍ مستحيل
ما الحبُّ إلا ابتلاءٌ خفيّ، يتسرّب إلى القلب في هيئة الطمأنينة، ثم لا يلبث الا لينقلب ثِقلاً يُقيم فيه ولا يبرح. يهبُ العاشق لحظاتٍ من الصفاء، يظنّها خلودًا، فإذا بها عابرة كطيفٍ عند الفجر، لا يُمسك ولا يُستعاد. وفي تلك اللحظات الهاربة، قد يستسلم أحدهما لسكينةٍ وادعة، يغفو آمنًا، كأنما قد نال نصيبه من السلام، بينما يظلّ الآخر ساهرًا، يؤرّقه الليل، ويُقلبه الفكر، ويثقل عليه الصمت بما يحمله من أسئلةٍ لا جواب لها.
وهكذا تنشأ في القلب حالٌة غريبة، يمتزج فيها الحنين بالألم، فلا يعود المرء قادرًا على التمييز بين ما كان نعمةً وما صار عبئًا. الذكريات، التي كانت يومًا ملاذًا، تتحول شيئًا فشيئًا إلى قيدٍ لا يُفكّ، تعود بصاحبها إلى كل لحظةٍ مضت، فيحياها كما لو كانت الآن، لا يملك دفعها ولا الانفلات منها.
أذكر تلك الليلة جيدًا… كانت ساكنة حدَّ السكون، كأن العالم كله قد خفَتَ صوته احترامًا لراحة قلبه، بينما كانت بالنسبة لي عاصفة لا تهدأ. في تلك اللحظات، كان ينام مطمئنًا، مستلقيًا فوق صدري، وكأنّه وجد ملاذه الأخير، وكأن نبضي أنشودة خفية تربّت على روحه.
أما أنا، فكنت أعيش النقيض تمامًا؛ كنت أشعر أن قلبي يُنتزع من بين ضلوعي ببطءٍ قاسٍ، كأن يدًا خفية تعبث به دون رحمة، وكل نبضة كانت أشبه بصرخة مكتومة لا يسمعها أحد. كيف يمكن للسكينة أن تجمع بين روحين في اللحظة نفسها، بينما أحدهما يغرق في الطمأنينة، والآخر يغرق في الألم؟
كيف يمكن أن تحتضن من تحب بكل ما فيك، وفي الوقت ذاته تشعر أنك تفقد نفسك شيئًا فشيئًا، دون أن تملك القدرة على الصراخ أو حتى الإفلات؟
ونسجًا على خيوط تلك الذكرى، وعلى هذا المقام، تأتي أغنية "عيون القلب" لا بوصفها لحنًا يُطرب، بل كأنها صدى! فهي لا تروي حكايةً بعينها، بقدر ما تكشف عن تلك الرؤية التي لا تنطفئ، رؤية من نحب وإن غابوا، حضورهم الذي لا يغيب، وذكراهم التي تستبد بالقلب استبدادًا. فينساب لحنها هادئًا، لكنه يوقظ ما خُيّل إلى النفس أنه قد سكن، ويُعيد إلى الذاكرة ما استعصى على النسيان، حتى يغدو الشوق ممتدًا بلا نهاية، ويغدو النسيان أمرًا مستحيلًا.
وإذا ما أُمعننا السمع في "عيون القلب"، يتبيّن لنا أن سرّ أثرها لا يكمن في كلماتها وحدها، بل في ذلك النسيج الدقيق الذي يجمع بين اللفظ والنغمة والصمت معًا. فالكلمات في ظاهرها بسيطة، لكنها تنطوي على معنى بالغ القسوة: أن يرى القلب من غاب، وأن يبقى الحضور قائمًا رغم الفقد. هذه الفكرة في ذاتها ليست مجرد تعبير عن الحنين، بل عن عجزٍ كامل عن الإفلات من قبضة الذاكرة.
و اللحن هنا لا يأتي ليُخفف من وطأة هذا المعنى، بل ليُعمّقه! فهو لحنٌ بطيء، متأنٍ، يكاد ينساب على استحياء وكأنه يخشى أن يُفزع ما استقرّ في النفس من وجع. لا ارتفاع مفاجئ فيه، ولا اندفاع، بل تدرّج هادئ.. يُشبه خطوات من يسير في عتمةٍ، يتحسس طريقه بين الذكريات. وهذا البطء ليس ضعفًا، بل اختيارٌ واعٍ، يجعل المستمع أسير اللحظة، غير قادر على تجاوزها أو الهروب منها.
أما الآلات الموسيقية، فقد اختيرت بعناية تُضاعف هذا الإحساس. حضور الوترفي رقّته وامتداده—يُحاكي امتداد الذكرى في النفس، لا ينقطع سريعًا، بل يظلّ معلّقًا كما لو كان يرفض أن ينتهي. وتأتي النغمات الخافتة لتُحيط بالصوت، لا لتغلبه، بل لتترك له المساحة كي يهمس، لا أن يصرخ. وكأن الأغنية، في مجملها، تُدرك أن الألم الحقيقي لا يحتاج إلى ضجيج، بل يكفيه هذا الهدوء المُثقل بالمعنى.
تأتي الاغنية في بساطتها وكأنها اعترافٌ عابر، لكنها تحمل في طياتها اضطرابًا عميقًا، حيث يصبح الفكر أقوى من الراحة، وتغدو الذاكرة أقدر على السيطرة من الجسد نفسه. و من ثم تتجسد القسوة في أوضح صورها لتنقسم التجربة إلى طرفين متناقضين؛ أحدهما يملك القدرة على القول ثم الرحيل وكأن الأمر لا يخلّف أثرًا، والآخر يظلّ عالقًا، لا يتحرك، لا يتجاوز، بل يبقى في موضعه أسير اللحظة التي انتهت عند غيره ولم تنتهِ عنده. الفعل البسيط "تمشي" يقابله ثقل "أسهر"، وكأن الحركة من نصيب طرف، والسكون القاسي من نصيب الآخر. لتاتي مفارقة أشدّ مرارة؛ إذ لا يُنسب السهر إلى الفقد أو البعد، بل إلى الحب ذاته. فالحب هنا لا يُسكّن، بل يُقلق؛ لا يمنح الراحة، بل يسلبها. وكأن الشعور الذي كان يُنتظر منه الطمأنينة، قد انقلب إلى مصدر اضطراب دائم!
ليبلغ المشهد ذروته حيث تتحول الليالي-بما تحمله من امتدادٍ وزمن-إلى صفحةٍ يُنقش عليها اسم الغائب. الكتابة هنا ليست فعلًا حقيقيًا، بل استعارة عن التكرار القهري للذكرى؛ فكل ليلة تحمل الاسم ذاته، وكل زمن يعيد القصة نفسها دون تغيير.
غير أنّ ما يهب هذا العمل أعمق أبعاده هو تلك اللحظات الهاربة التي يخفت فيها الصوت حتى يكاد ينطفئ، أو يتراجع اللحن تراجعًا رقيقًا، تاركًا بين العبارات فسحةً قصيرة من الفراغ. هذا السكون العابر ليس فراغًا حقيقيًا، بل امتلاءٌ خفيّ، يفتح الطريق أمام الذاكرة لتبوح، ويمنح المشاعر فرصة أن تنساب بلا قيد. في حضرة هذا الصمت، لا يصغي المرء إلى الأغنية بقدر ما يصغي إلى ذاته؛ يسترجع ما عاشه، ويُتمّ المعنى بما تراكم في داخله من حكايات وتجارب.
ولعلّ الأمر في خاتمته، لا يقف عند حدود أغنيةٍ تُردَّد أو لحنٍ يُستعاد، بل يتجاوز ذلك إلى ما هو أبعد وأبقى؛ إلى تلك العلاقة الخفية بين الإنسان وذاكرته، حين تغدو الذكرى سلطانًا لا يُدفع، وحكمًا لا يُنقض. فـ"عيون القلب" لا تنتهي بانتهاء مقاطعها، ولا تخبو بانطفاء نغمها، بل تظلّ كامنةً في أعماق النفس، تُعاود الظهور كلما سنحت لها فسحة، وكأنها جزءٌ من نسيجٍ داخلي لا ينفصل.
وفي هذا الاستدعاء المتكرر، لا يكون الألم طارئًا يُحتمل بل حالًا يُلازم، يتبدّل في صوره ولا يزول في جوهره. فقد تخفت حدّته حينًا، ثم لا يلبث أن يعود في هيئةٍ ألطف، لكنها أشدّ رسوخًا، كأنّه يتعلّم مع الزمن كيف يُخفي وطأته دون أن يفقد أثره. ومن هنا، كانت الرقة التي تُغلف هذا العمل ليست تخفيفًا له، بل إحكامًا له، إذ تجعل النفاذ إلى القلب أيسر، والمقام فيه أطول.
ولعلّ أقسى ما في الأمر أن هذا كلّه لا يُدرَك دفعةً واحدة، بل يتسرّب إلى النفس على مهل، حتى إذا اكتمل، لم يكن ثمّة سبيلٌ إلى ردّه. فيغدو المرء حاملًا لذكرى لا تُفارقه، وساكنًا في زمنٍ قد مضى، وإن بدا في ظاهره مقيمًا في الحاضر.
ومن ثمّ، لا تعود الاغنية أثرًا عابرًا في سجلّ السمع، بل تصير علامةً باقية في سجلّ الشعور؛ دليلاً على أن بعض ما يمسّ القلب لا يبرحه، وأن ما يُرى بعينٍ خفية لا يخضع لناموس الفناء. وهكذا، يمضي الإنسان، لا وقد تخلّص من ذكرياته، بل وقد ألف قيدها، وتعايش مع ثقلها، حتى تغدو جزءًا من تعريفه لذاته، وحدًّا من حدود إدراكه للعالم..
فإن كان للنسيان سبيل، فهو لا يمرّ من هذا الباب؛ وإن كان للشفاء أمد، فهو لا يُدرك في هذا المقام. وإنما يبقى الشوق ممتدًا كخيطٍ لا ينقطع، وتبقى الذكرى قائمةً كأثرٍ لا يُمحى، يُرى في كل حين… بعيون القلب.
Comments
Post a Comment