الحب كما لم نجرؤ على تخيّله: عن الحب في "أغدًا ألقاك"
بعد الملحمة الشاعرية التي يفتتحها عمر
خورشيد بالجيتار، تتوالى ردود الكمان والرق، متداخلة مع ألحان التشيلو؛ نسيج صوتي
كثيف، كأنه مدٌّ موسيقيٌّ يهيّئ المستمع للدخول إلى عالم آخر.ويعود خورشيد مرةً
أخرى، بمداخلات جيتاره الساحرة، ليواصل إمتاع آذاننا بنغمةٍ لا تكتفي بالتمهيد، بل
تعد بالدهشة.
وفي منتصف الأغنية، يدخل صوت الست، لا
كضيفٍ متأخرعلى قصيدة الهادي، بل كقدرٍ كان لا بدّ أن يحضر، ليكتمل سحر القصيدة واللحن، ويأخذنا
الصوت إلى ذروةٍ وجدانيةٍ يصعب الإفلات منها.
في لحظة نادرة من الصفاء العاطفي، يصل
الإنسان إلى مرحلة لا يعود فيها الحب إحساسًا زائدًا على الحياة، بل يصير هو
الحياة نفسها. هذه ليست حالة هيام عابرة، ولا اندفاع شباب، بل درجة من التماهي
الهادئ، تشبه ما يمكن أن نسمّيه "الحب المكتمل". الحالة التي عبّر عنها
الهادي آدم في قصيدته أغدًا ألقاك، وغنّتها أم كلثوم لا بوصفها قصة حب، بل كحالة
وجود.
أول مرة أَنصَت فيها إلى هذا المقطع من أغدًا ألقاك،
لم يحدث شيء استثنائي في العالم الخارجي. لم تتغير الإضاءة، ولم يتوقف الصوت من
حولي، ولم تُعلن لحظة فارقة. لكن داخليًا، تجمّد الكون. كأن الزمن الذي كان يجري
بشكل طبيعي قرر فجأة أن يقف احترامًا لمقطع موسيقي واحد :
هذه الدنيا كتابٌ أنت فيه الفكر
هذه الدنيا ليالٍ أنت فيها
العمر
هذه الدنيا عيونٌ أنت فيها
البصر
هذه الدنيا سماءٌ أنت فيها
القمر
بعد سماع هذه الكلمات، بدأت
أَتَسَاءَل: هل يمكن حقًا للإنسان أن يحب بهذا العمق؟ هل يمكن أن يصل الحب في
الواقع إلى هذا الامتلاء الكلي، أن يصبح الشخص الآخر محور الزمن والحواس والوجود؟
لم يكن الأمر مجرد إعجاب بالكلمات، بل
صدمة وجودية: كيف يمكن لشخص أن يملأ حياة آخر إلى هذا الحد؟ أن يجعل الليل عمرًا،
وأن يجعل الرؤية مجرد امتداد له؟ وأن يصبح القمر الذي ينير سماء كل شيء فيها؟ هنا،
الحب لا يكون شعورًا إضافيًا على الحياة، بل حياة كاملة تُختصر في شخص واحد. وفي
هذا التماهي، يصبح كل شيء آخر هامشيًا، وكأن العالم الخارجي لم يعد له وزن أمام
هذا الامتلاء الداخلي.
لكن بعد الصدمة الأولى، يبدأ السؤال
الأكبر: هل يمكن حقًا للإنسان أن يحب بهذه الدرجة؟ هل كل هذا العشق ممكن في
الواقع، أم أنه مجرد وهم شاعري جميل؟ أحيانًا يبدو أن الحب في النصوص الكلاسيكية
والموسيقى العميقة يمنحنا رغبة جامحة لنعيش هذه الدرجة من الهيام، رغم أن حياتنا
المعاصرة، المزدحمة بالمسؤوليات والهواتف والصخب، تجعل من الصعب الوصول إلى هذا
الامتلاء.
ورغم كل هذا الامتلاء، هناك هدوء عميق
يميز النص، هدوء غير متوقع في شدة الحب. الصبوة هنا ليست توقًا يائسًا، بل ميل
رقيق وصبر ناضج، وفهم أن الانتظار جزء من جماله. ليس هناك طلب أو ضغط، بل ثقة
كاملة بأن الغد سيحمل ما يُنتظر، وأن القلب الذي يصبو ليس بحاجة للضمانات ليكون
حاضرًا في الحب.
أم كلثوم، بصوتها الذي يحمل خبرة
العمر، لم تغنِّ هذه الكلمات كعاشقة مراهِقة، بل كامرأة تعرف أن الحب الحقيقي لا
يصرخ. تمدّ الجملة، تتريث، وتترك فراغات صامتة بين الكلمات، وكأن الصمت جزء من
المعنى. وكأنها تقول إن الوصول إلى هذه الدرجة من الحب لا يكون إلا بعد أن يتعب
القلب من اللهاث. تجعل المستمع يعيش كل خطوة من تجربة
الحب، يشعر بامتداده، بتباطؤه، بانسكابه في كل لحظة. وكأن الصمت جزء من الحب نفسه،
وكأن الحب الحقيقي لا يُقال، بل يُشعر ويُختبر!
في “أغدًا ألقاك”، لا نسمع قصة حب، بل نرى إنسانًا
وصل إلى مرحلة يصبح فيها الآخر وطنًا، والوقت انتظارًا نبيلًا، والحب حالة سلام لا
خوف فيها. وربما لهذا السبب، ما زالت الأغنية حيّة: لأنها لا تتحدث عن حبيب بعينه،
بل عن تلك اللحظة النادرة التي يلتقي فيها الحب بالنضج.
و في آخر
كُوبليهات الأُغْنية لا نشعر بأن القِصَة قَد إكتَملَت،بل وكأنها تَوقَفت عند
مَدخَل الزمن. لا لقاء يحدث، ولا وداع يُقال، فقط حالة انتظار معلّقة، تشبه الوقوف
أمام باب لم يُفتح بعد، ولا نعرف إن كان سيفتح أصلًا. هذا التوقف هو جوهر الأغنية،
وهو سر شجنها الذي لا يزول. لأغنية لا تعدنا باللقاء، بل تمنحنا شعور الترقّب
نفسه. تَجعل غداً فِكرَة لا زمناً،مجرد حلم مؤجلاً يعيش في القلب دون المطالبة
بالحضور أو كما قال عبدُ الحَليم حافظ في فيلم "شارع الحب" : (الحب ملوش
سكن الا في القلوب عمره ما يسأل الإيجار كم)،وفي هذا التأجيل يصبح الحب أكثر
نقاءً،لأنه لم يختبر بالواقع بعد، ولم يُخدش بخيبات التفاصيل.هو حب قائم في
المسافة، في الصمت، في تلك اللحظة التي تسبق كل شيء.
وفي
النهاية، لا يبقى من هذا الحب شيء يمكن الإمساك به. لا ذكرى واضحة، ولا وعد مكتمل،
ولا لحظة يمكن الإشارة إليها والقول: هنا كان كل شيء. ما يبقى هو ذلك الثقل الخفيف
في القلب، الإحساس الذي لا يؤلم بوضوح ولا يريح، لكنه حاضر دائمًا، كظل لا يختفي.
الحب الذي يصل إلى هذا الحد لا ينتهي بانتهاء العلاقة، لأنه لم يكن علاقة في
الأساس. كان حالة. حالة عاشها الإنسان بكامله، دون حساب، دون حماية، ودون محاولة
للفهم. وفي هذه الحالة، لا يعود السؤال عمّا إذا كان الحب قد نجح أو فشل مهمًا.
المهم أنه حدث، وأنه ترك أثره كما تترك الموسيقى أثرها بعد أن يصمت الصوت. وفي هذا
الصمت، يصبح الإنسان أكثر وعيًا بثقل قلبه. يفهم أن الحب، حين يُعاش بعمق، يترك
ندبة جميلة، لا تُرى لكنها تُحس. ندبة تجعل الضحك أبطأ، والحنين أسرع، وتجعل القلب
أكثر ميلًا للهدوء، وأقل رغبة في التكرار.
ربما
لهذا لا نبحث عن هذا النوع من الحب عمدًا. هو يأتي وحده، ويرحل وحده، ويتركنا
مختلفين عمّا كنا. يجعلنا نعرف أن الهيام ليس وعدًا بالسعادة، بل تجربة كاملة،
تُعاش مرة واحدة، وتكفي. حينها لا نندم على الحب الذي آلمنا بهذا العمق. نندم فقط
على الحب الذي مرّ بنا دون أن يترك أثرًا، دون أن يجعل القلب يتوقف لحظة… كما
يتوقف الكون.
| الست في اول حفلة تغنت فيها باغنية "اغدا القاك" في السودان داخل المسرح القومي امدرمان في اليوم الموافق 26 ديسمبر 1968 ضمن حفلات المجهود الحربي |
Comments
Post a Comment