Posts

كيف تصير الذاكرة قيدًا بين شوقٍ لا ينتهي ونسيانٍ مستحيل

ما الحبُّ إلا ابتلاءٌ خفيّ، يتسرّب إلى القلب في هيئة الطمأنينة، ثم لا يلبث الا لينقلب ثِقلاً يُقيم فيه ولا يبرح. يهبُ العاشق لحظاتٍ من الصفاء، يظنّها خلودًا، فإذا بها عابرة كطيفٍ عند الفجر، لا يُمسك ولا يُستعاد. وفي تلك اللحظات الهاربة، قد يستسلم أحدهما لسكينةٍ وادعة، يغفو آمنًا، كأنما قد نال نصيبه من السلام، بينما يظلّ الآخر ساهرًا، يؤرّقه الليل، ويُقلبه الفكر، ويثقل عليه الصمت بما يحمله من أسئلةٍ لا جواب لها. وهكذا تنشأ في القلب حالٌة غريبة، يمتزج فيها الحنين بالألم، فلا يعود المرء قادرًا على التمييز بين ما كان نعمةً وما صار عبئًا. الذكريات، التي كانت يومًا ملاذًا، تتحول شيئًا فشيئًا إلى قيدٍ لا يُفكّ، تعود بصاحبها إلى كل لحظةٍ مضت، فيحياها كما لو كانت الآن، لا يملك دفعها ولا الانفلات منها. أذكر تلك الليلة جيدًا… كانت ساكنة حدَّ السكون، كأن العالم كله قد خفَتَ صوته احترامًا لراحة قلبه، بينما كانت بالنسبة لي عاصفة لا تهدأ. في تلك اللحظات، كان ينام مطمئنًا، مستلقيًا فوق صدري، وكأنّه وجد ملاذه الأخير، وكأن نبضي أنشودة خفية تربّت على روحه. أما أنا، فكنت أعيش النقيض تمامًا؛ كنت أشعر أن ق...

الحب كما لم نجرؤ على تخيّله: عن الحب في "أغدًا ألقاك"

Image
بعد الملحمة الشاعرية التي يفتتحها عمر خورشيد بالجيتار، تتوالى ردود الكمان والرق، متداخلة مع ألحان التشيلو؛ نسيج صوتي كثيف، كأنه مدٌّ موسيقيٌّ يهيّئ المستمع للدخول إلى عالم آخر.ويعود خورشيد مرةً أخرى، بمداخلات جيتاره الساحرة، ليواصل إمتاع آذاننا بنغمةٍ لا تكتفي بالتمهيد، بل تعد بالدهشة . وفي منتصف الأغنية، يدخل صوت الست، لا كضيفٍ متأخرعلى قصيدة الهادي، بل كقدرٍ كان لا بدّ أن يحضر، ليكتمل سحر القصيدة واللحن، ويأخذنا الصوت إلى ذروةٍ وجدانيةٍ يصعب الإفلات منها . في لحظة نادرة من الصفاء العاطفي، يصل الإنسان إلى مرحلة لا يعود فيها الحب إحساسًا زائدًا على الحياة، بل يصير هو الحياة نفسها. هذه ليست حالة هيام عابرة، ولا اندفاع شباب، بل درجة من التماهي الهادئ، تشبه ما يمكن أن نسمّيه "الحب المكتمل". الحالة التي عبّر عنها الهادي آدم في قصيدته أغدًا ألقاك، وغنّتها أم كلثوم لا بوصفها قصة حب، بل كحالة وجود . أول مرة  أَنصَت فيها إلى هذا المقطع من أغدًا ألقاك، لم يحدث شيء استثنائي في العالم الخارجي. لم تتغير الإضاءة، ولم يتوقف الصوت من حولي، ولم تُعلن لحظة فارقة. لكن داخليًا، تجمّد الكون. كأن...